طه عبد الرحمن
84
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
وعلى الإجمال ، فإن آفة التضييق التي تسبّبت فيها حضارة القول للفعل الخلقي ، حتى علقت به صفة المحدودية ، يمكن درأها بإحدى وسائل الصلاح الأربعة الآتية : إما إيجاب الخلق حيث يجوز أو إيجاد الخلق حيث لم يوجد أو ترسيخ البنية الداخلية للخلق أو إظهار نفوذه في كل شيء ؛ وإذا ثبت هذا ، ثبت أيضا أن خصائص التخلّق المؤيّد أقدر من غيرها على تصحيح حضارة القول من جهة ضيق عطائها الخلقي . 3 - طرق التخلّق المؤيّد والخروج من آفة التجميد ننتقل الآن إلى الخطوة الثانية من التدليل على الدعوى السابقة التي ادعيناها والتي تقول بأن للمتخلّق المؤيّد القدرة على علاج الآفات الخلقية لحضارة القول ؛ وتقتضي هذه الخطوة أن نثبت أن طرق هذا التخلّق ترفع الجمود الذي تورّثه الحضارة الحديثة للفعل الخلقي ؛ ولنبدأ بذكر المبادئ الثلاثة التي تنبني عليها هذه الطرق في التخلق . 3 . 1 . مبدأ الاشتغال المباشر يوجب هذا المبدأ على المتخلّق أن يتعاطى التخلق باستيفاء شروط ثلاثة : أ . أن يخرج من النظر المجرد ويدخل في العمل المباشر ؛ فلا تفيد في تخلقه التحليلات المقالية والاستماع إلى التوجيهات الوعظية ، وإنما الذي يفيده هو القيام الفعلي بالالتزامات التعبدية على مقتضاها التربوي ، انتظاما ومواظبة . ب . أن لا يقف المتخلّق عند ظاهر الحكم الشرعي ، بل عليه أن يطلب الحكمة التي من ورائه ، مع العلم بأن لكل حكم شرعي حكمة تخصه ؛ فيتوجب على المتخلّق تحقيق هذه الحكمة في سلوكه ؛ فمثلا ، إذا أفطر في سفره أثناء شهر رمضان ، فإنه لا يفطر لمجرد الاستجابة لرفع المشقة عنه ، بل يفطر أصلا لواجب حفظ الحياة ، الذي هو الحكمة المقدّرة من وراء رفع المشقة . ج . أن لا يكتفي المتخلّق بما يثمره الفعل الخلقي في الحال ، بل عليه أن ينظر في المآل الذي يؤول إليه هذا الفعل ، علما بأن لكل فعل حالا ومآلا ؛ وكما أن الحال والمآل قد يتفقان ، فإنهما كذلك قد يختلفان ؛ فيتعيّن على المتخلّق أن يقف من الفعل على حسب مآله ، فإن كان هذا المآل محمودا أتى به ، وإن كان غير محمود تركه ولو ظهرت فائدته في الحال .